أحمد بن محمد القسطلاني

161

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

غطفان وفزارة ) بفتح الفاء والزاي قبيلتان من العرب فيها أبو ذر ( فصرخت ثلاث صرخات أسمعت ما بين لابتيها ) أي لابتي المدينة واللابة الحرة ( يا صباحاه يا صباحاه ) مرتين بفتح الصاد والموحدة وبعد الألف حاء مهملة فألف فهاء مضمومة ، وفي الفرع سكونها وكذا في أصله منادى مستغاث والألف للاستغاثة والهاء للسكت ، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح . وقال ابن المنير : الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل ، وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون . وقال القرطبي : معناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح وهي كلمة يقولها المستغيث . ( ثم اندفعت ) بسكون العين أسرعت في السير وكان ماشيًا على رجليه ( حتى ألقاهم وقد أخذوها فجعلت أرميهم ) بالنبل ( وأقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع ) بضم الراء وتشديد الضاد المعجمة بعدها عين مهملة والرفع فيهما ، ولأبي ذر نصب المعرف أي يوم هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه ، وكل من نسب إلى لؤم فإنه يوصف بالمص والرضاع . وفي المثل : ألأم من راضع ، وأصله أن رجلاً من العمالقة طرقه ضيف ليلاً فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف صوت الحلب فكثر حتى صار كل لئيم راضعًا سواء فعل ذلك أو لم يفعله . وقيل : المعنى اليوم يعرف من رضع كريمة فأنجبته أو لئيمة فهجنته أو اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها من غيره . ( فاستنقذتها ) بالقاف والذال المعجمة ( منهم ) أي استخلصت اللقاح من غطفان وفزارة ( قبل أن يشربوا ) أي الماء ( فأقبلت بها ) حال كوني ( أسوقها فلقيني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وكان قد خرج عليه الصلاة والسلام إليهم غداة الأربعاء في الحديد متقنعًا في خمسمائة . وقيل : سبعمائة بعد أن جاء الصريخ ونودي : يا خيل الله اركبي وعقد للمقداد بن عمرو لواء وقال له : امضِ حتى تلحقك الخيول وأنا على أثرك . ( فقلت : يا رسول الله إن القوم ) يعني غطفان وفزارة ( عطاش ) بكسر العين المهملة ( وإني أعجلتهم أن يشربوا ) مفعول له أي كراهة شربهم ( سقيهم ) بكسر السين وسكون القاف أي حظهم من الشرب ( فابعث في إثرهم ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة . وعند ابن سعد قال سلمة : فلو بعثتني في مائة رجل واستنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم . ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( يا ابن الأكوع ملكت ) أي قدرت عليهم فاستعبدتهم وهم في الأصل أحرار ( فأسجح ) ، بهمزة قطع وسين مهملة ساكنة وبعد الجيم المكسورة حاء مهملة أي فارفق وأحسن بالعفو ولا تأخذ بالشدة ( إن القوم ) غطفان وفزارة ( يقرون ) بضم المثناة التحتية وسكون القاف والواو بينهما راء مفتوحة آخره نون أي يضافون ( في قومهم ) يعني أنهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم ويساعدونهم فلا فائدة في البعث في الأثر لأنهم لحقوا بأصحابهم وزاد ابن سعد فجاء رجل من غطفان فقال : مرّوا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا ؛ الحديث . وفيه معجزة حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بذلك وكان كما قاله . وفي بعض الأصول من البخاري يقرون بضم الراء مع فتح أوله أي : ارفق بهم فإنهم يضيفون الأضياف فراعى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : يقرون بفتح أوله وكسر القاف وتشديد الراء ، ولأبي ذر : من قومهم . وهذا الحديث الثاني عشر من ثلاثيات البخاري ، وأخرجه أيضًا في المغازي وكذا مسلم ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة . 167 - باب مَنْ قَالَ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ فُلاَنٍ وَقَالَ سَلَمَةُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ . ( باب من قال : خُذها ) أي الرمية ( وأنا ابن فلان وقال سلمة ) في حديثه السابق : ( خذها وأنا ابن الأكوع ) . المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس وهذا على سبيل الفخر وهو منهي عنه إلا في هذه الحالة لاقتضاء الحال هنا فعله لتخويف الخصم . 3042 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : " سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ - رضي الله عنه - فَقَالَ : يَا أَبَا عُمَارَةَ ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ قَالَ الْبَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ : أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ . قَالَ : فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ " . وبه قال : ( حدّثنا عبيد الله ) بتصغير العبد ابن موسى بن باذام العبسي الكوفي ( عن إسرائيل ) بن يونس ( عن ) جده ( أبي إسحاق ) عمرو